حديث توبة سيدنا كعب
رضي الله عنه
مقدم من مبادرة سوا
المحطة الأولى
تمهيد القصة وتعريف كعب
بداية رحلة الصدق والتوبة مع سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه
السند والمقدمة
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وكانَ قائِدَ كعب رضي الله عنه مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كعْبَ بنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يُحَدِّثُ بِحَدِيثِهِ حِين تخَلَّف عَنْ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غزوة تبوك.
المقارنة مع غزوة بدر
قال كعب: لم أتخلَّفْ عَنْ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غَزْوَةٍ غَزَاها قط إلا في غزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْر أَنِّي قد تخلّفتُ في غَزُوةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ أحد تَخلَّف عنه، إنَّما خَرَجَ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُريش حتَّى جمع الله تعالى بينهم وبين عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ ميعاد.
فضل بيعة العقبة
وَلَقَدْ شهدْتُ مَعَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة العقبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشهَدَ بَدْرٍ، وإن كانت بدرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنهَا.
القوة البدنية والمادية
وكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تخلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، في غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطَّ أقْوَى ولا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قط حتى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الْغَرْوَةِ.
المحطة الثانية
التهيؤ للغزوة وبداية التسويف حتى الفوات
مرحلة التردد والتأجيل التي أوقعت كعباً رضي الله عنه في المحنة
التورية وشدة الغزوة
ولَمْ يكُن رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُريدُ غَزُوةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلكَ الْغَزُوةُ، فغَزَاها رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في حَرِّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفراً بَعِيداً وَمَفَازاً.
إعلان الوجهة ليتأهبوا
وَاسْتَقْبَلَ عَدداً كثيراً، فجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ ليَتَأَهَبُوا أَهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُون مَع رسول الله كثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حافظ — يُريدُ بذلك الديوان.
الظن باختفاء الأمر
قَالَ كَعْبٌ: فقلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلا ظَنَّ أَنَّ ذلكَ سَيَخْفَى بِهِ مَالَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْى مِنَ اللهِ، وغَزَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم تلك الغزوةَ حِينَ طابت الثَّمَارُ والظَّلالُ، فَأَنا إِلَيْهَا أضعرُ.
بداية التسويف
فتجهز رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَالْمُسْلِمُون معهُ، وطفِقْت أغدو لكن أَتَجَهَّز معهُ فأرجع ولم أقض شَيْئاً، وأقُولُ في نَفْسى: أنا قَادِرٌ على ذلك إذا أَرَدْتُ، فلمْ يَزلْ يَتَمادى بي حتَّى اسْتمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ.
تفارط الغزو
فأَصْبَحَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم غَادِياً والْمُسْلِمُونَ معَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازي شيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَم أَقْضِ شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادَى بِي حَتَّى أَسْرِعُوا وتَفَارَطُ الْغَزْوُ.
حسرة عدم اللحاق بهم
فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِل فأدركَهُمْ، فَيَاليتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرُ ذلِكَ لي، فطفقتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْد خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُحْزُنُنِي أَنِّي لا أَرَى لِي أَسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْه في النِّفاقِ، أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ الله تعالى مِن الضُّعَفَاءِ.
المحطة الثالثة
العودة إلى المدينة والصدق بين يدي النبي ﷺ
لحظة المواجهة الحاسمة واختيار الصدق على الكذب
تفقد النبي ﷺ له في تبوك
وَلَمْ يَذكرني رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حَتَّى بَلَغ تَبُوكَ، فقالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القوم بتبوك: ما فَعَلَ كعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ فقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سلمة: يا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظُرُ في عظفيه.
دفاع معاذ بن جبل
فَقالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَل رضي الله عنه: بئس مَا قُلْتَ، وَاللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْراً، فسكت رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
قدوم أبي خيثمة
فَبَيْنَا هُوَ علَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ، فَإِذا هوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الأَنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المنافقون.
هم العودة والتفكير في الكذب
قَالَ كَعْبٌ: فَلَّما بَلَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَدْ تَوَجَّهَ قَافَلا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَني بَنِي، فطفقت أتذكَّرُ الكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخطه غَداً وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأَي مِنْ أهلي.
زوال الباطل وقرار الصدق
فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أظلَّ قَادِمَاً زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أنج مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً.
اعتذار المنافقين
ذَلك جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرُون إليه وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وثمانين رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لَهُمْ وَوَكلَ سَرَائِرَهُمْ إلى الله تعالى.
مواجهة النبي ﷺ وتبسم المغضب
حتّى جئتُ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسم تبسم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ: تَعَالَ، فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ، فقالَ لِي: مَا خَلْفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ.
بيان قوة الحجة لو أراد الكذب
قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي والله لَوْ جلستُ عند غيرك منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أني سَأَخْرُج سخطه بعُذْرٍ، لقد أعطيتُ جَدَلا.
اختيار الصدق رغم الغضب
وَلَكنَّني وَاللَّهُ لَقَدْ عَلَمْتُ لَئِن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذب ترضى به عنِّي ليوشكَنَّ الله يُسخطك عليّ، وإِنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدق تجد علَيَّ فِيهِ إِنِّي لأرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهُ عَزَّ وجلَّ.
المحطة الرابعة
الاعتراف والثبات بعد اللوم
لحظة الاعتراف الكامل والصمود أمام ضغط المحيطين
الاعتراف بعدم العذر
والله ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطَّ أقْوَى وَلا أيسر مِنِّي حِينَ تَحْلَفْتُ عَنكَ. قَالَ: فقال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "أَمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ."
لوم بني سلمة
وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلمة فاتَّبِعُوني، فقالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذنبتَ ذَنْباً قبل هذا، لَقَدْ عَجَرْتَ في أَنْ لا تَكُون اعتذرت إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبِكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم لَكَ.
الثبات بعد التردد
قَالَ: فوالله ما زَالُوا يُؤذِّبُونِنِي حَتَّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فأَكْذِب نفسي، ثُمَّ قُلتُ لَهُم هَلْ لَقِيَ هَذا معِي مِنْ أَحدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلان قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ.
معرفة الرفيقين
قَالَ قُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ، وهلال ابن أميَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدا بدراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْت حِينَ ذكروهُما لِي.
المحطة الخامسة
المقاطعة والابتلاء الخارجي ورسالة غسان
خمسون ليلة من العزلة والاختبار الشديد
بداية المقاطعة القاسية
وَنهَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثلاثةُ مِن بَين من تَخَلَّف عَنهُ، قَالَ: فاجتنبنا النَّاس أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرت لي في نَفْسي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
اختلاف حال الثلاثة في العزلة
فأمَّا صَاحبايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا في بيوتهما يَبْكيَانِ وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنتُ أَخْرُج فَأَشهَدُ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أحد.
مسارقة النظر للنبي ﷺ في الصلاة
وآتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَأَسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسي: هَل حَرَّكَ شفتيه برد السلام أم لا؟ ثُمَّ أَصَلِّي قَريباً مِنهُ وأَسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي.
اختبار أبي قتادة (ابن العم)
حَتى إذا طال ذلكَ عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ الْمُسْلِمينَ مشَيْت حَتَّى تَسوَّرت جدار حائط أبي قَتَادَةَ وَهُوَا ابْن عَمِّي وأحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَواللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ.
مناشدة أبي قتادة وبكاء كعب
فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قتادة أنشدك بالله هَلْ تَعْلَمُني أحبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فَسَكَتَ فَعُدت فَنَاشَدتُه فَسَكَتَ، فَعُدْت فَنَا شَدْته فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرتُ الْجِدَارَ.
وصول رسالة ملك غسان
بَيْنَا أَنَا أَمْشي في سوق المدينةِ إِذَا نَبَطي من نبطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بالطعام يبيعُهُ بالمدينةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مالك؟ فَطَفقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَى حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إلى كتاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتِباً.
محتوى الرسالة وإحراقها
فَقَرَأَتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أن صاحِبَكَ قد جفاك ولم يجعلك الله بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحَقِّ بِنا نُوَاسِك. فقلت حين قرأتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجَرْتُهَا.
المحطة السادسة
اشتداد الابتلاء داخل البيت
حين امتد الاختبار إلى داخل البيت وأمر باعتزال الزوجة
ابتلاء اليوم الأربعين (اعتزال الزوجة)
حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُون مِن الْخَمْسِينَ وَاسْتَلْبَتِ الْوَحْى إذا رسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتزل امرأتكَ، فَقُلْتُ: أطلقها، أَمْ مَاذا أفعلُ؟ قَالَ: لاَ بَلْ اعْتُزِلْهَا فَلا تقربَنَّهَا، وأرسل إلى صَاحِبِي بِمِثْلِ ذلِكَ.
إرسال الزوجة لأهلها
فَقُلْتُ لامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هذا الأمر.
رخصة زوجة هلال بن أمية
فَجَاءَت امرأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهُ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائع ليْسَ لَهُ خادِمٌ، فهلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمهُ؟ قَالَ: "لا، وَلَكِنْ لا يَقْرِبَنَّكَ." فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهُ مَا بِهِ مِنْ حركةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللهُ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا.
كعب يرفض الاستئذان لزوجته
فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَو استأذنت رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في امْرَأَتِك، فقد أذن لامرأة هلال بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فقُلْتُ: لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، ومَا يُدْريني ماذا يَقُولُ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ.
المحطة السابعة
فجر الفرج وقبول التوبة
اللحظة التي انكشف فيها الغم وجاء الفرج من الله تعالى
فجر اليوم الخمسين والفرج
فَلَبِثْتُ بذلك عشر ليال، فَكَمْلَ لَنا خمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهي عَنْ كَلامنا. ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبِينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الحال التي ذكر الله تعالى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرض بمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِحٌ أُوفَى عَلَى سَلْعِ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكِ أَبْشِرْ، فخرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ.
تسابق المبشرين بالبشرى
فَآذَنَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم النَّاسِ بِتَوْبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِين صَلَّى صَلاةِ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُوننا، فذهَبَ قِبَلَ صَاحِبَي مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إليَّ فرساً وَسَعَى ساعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي وَأَوْفَى عَلَى الْجَبلِ، وكان الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ.
إعطاء البشير الثوبين واستعارة غيرهما
فَلَمَّا جَاءَنِي الذي سمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ ببشارته والله مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ تَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وانْطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
تهنئة الناس وهرولة طلحة
يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنّئُونني بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهُ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد الله رضي الله عنه يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وهَنَّأَنِي، واللهُ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَان كَعْبٌ لا يَنْساهَا لطلحة.
استنارة وجه النبي ﷺ وبشارته
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ." فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولُ اللهِ أَم مِنْ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا بَلْ مِنْ عِنْد الله عَزَّ وجَلَّ." وكان رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر، وكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ.
المحطة الثامنة
ثمرات الصدق وخاتمة الحديث
الدروس والعطاء الرباني الذي جاء ثمرةً للصدق والثبات
التصدق بالمال توبةً
فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يدَيْهِ قُلتُ: يَا رسولَ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِن مالي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ." فَقُلْتُ إِنِّي أَمْسِكُ سَهْمِي الذي بِخَيْبَر.
النجاة بالصدق
وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إن الله تَعَالَى إِنَّما أَنْجَانِي بالصَّدْقِ، وَإِنْ مِنْ تَوْبَتِي أَن لا أُحدِّثَ إِلا صدقاً ما بَقِيتُ، فوا لله مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المسلمين أبلاه الله تَعَالَى في صدق الحديث مُنذُ ذَكَرْتُ ذَلكَ الرسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي الله تَعَالَى، وَاللهِ مَا تَعمّدت كِذْبَةً مُنْذُ قُلْت ذَلِكَ لرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأرْجُو أَن يحفظني اللهُ تَعَالَى فِيمَا بَقِي.
نزول آيات التوبة
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حَتَّى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
أعظم نعمة وفضح الكاذبين
قال كعب: واللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هداني الله للإسلام أعظمَ في نَفْسِي مِنْ صِدْقي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَن لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فأهلك كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا. إن الله تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأحدٍ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.
سبب التأجيل وخاتمة الرواية
قَالَ كَعْبٌ: كنَّا خُلِّقْنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ عَنْ أَمْرٍ أُولِئَكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حِينَ حَلَمُوا لَهُ، فبايعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أَمْرَنا حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِذَلكَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلَّفْنا تَخَلَّفْنا عَنِ الغَزُو، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلَيفهُ إِيَّانَا وإرجاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعتذر إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عليه. وفي رواية: "أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم خَرَجَ فِي غَزُوةِ تَبُوكَ يَوْمَ الخميس، وَكَان يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخميس." وفي رواية: "وَكَانَ لا يَقدُمُ مِنْ سَفَرٍ إلا نهاراً في الضُّحَى. فَإِذَا قَدِم بَدَأ بالمسجدِ فصلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَس فيه."
تم الحديث بفضل الله تعالى
الصدق منجاة
أنجى الله كعباً بصدقه، فكانت أعظم نعمة بعد الإسلام
الثبات على الحق
صمد كعب رغم الضغوط والإغراءات حتى جاء الفرج
التوبة النصوح
قبل الله توبته وخلّد قصته في القرآن الكريم
مقدم من مبادرة سوا
الحمد لله
تقبل الله
مقدم من مبادرة سوا